مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

272

موسوعه أصول الفقه المقارن

العامة وفقاً لبعض تعاريفه « 1 » ، وشأنهما شأن العموم والإطلاق من جهة ، والتخصيص والتقييد من جهة أخرى ، فالأخيران استثناء من الأولين . وقد مثّلوا لذلك بما إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن قبل أن يقبض المشتري المبيع ، فإنَّ موجب القياس الظاهر أنَّ الذي يجب عليه أن يقيم البيّنة هو البائع ، وهو مدَّعي الزيادة ، إذ هما اتفقا على مقدار ، والاختلاف في الزيادة ، فهو المدَّعي ، والبيّنة على من ادَّعى ، واليمين على من أنكر ، وإذا لم تكن بيّنة حلف المشتري ؛ لأنّه المدّعى عليه ، ولكن استحسن أن يحلف البائع والمشتري ؛ لأنّ كليهما ينكر شيئاً يدَّعيه الآخر ، فالبائع يدَّعي الزيادة وينكر استحقاق المشتري للمبيع من غير أدائها ، والمشتري يدَّعي استحقاقه للمبيع من غير هذه الزيادة ، وينكر وجوبها « 2 » . وقد يعتبر بعض الاستحسان نفس القياس ، والاختلاف في أن القياس يعتمد وصفاً أو أثراً ظاهراً ، بينما الاستحسان قد يعتمد وصفاً أو أثراً خفياً أقوى ، فيغلّب حكمه على حكم الأثر الظاهر الذي ترتَّب عليه القياس الأصل أو المستثنى منه ، فيستثنى من القياس العام هذا المورد « 3 » . ويذكر لهذا مثال كون بدن المرأة عورة وقد أبيح للطبيب النظر للحاجة ، فالأثر الأظهر للمسألة هو كون بدنها عورة ، والوصف الثاني هو ما قد يؤدي إلى عُسر ومشقة في بعض الأحوال ، كالمرض وحاجة الطبيب إلى رؤية البدن للعلاج « 4 » . وأشار السرخسي إلى العلاقة الوثيقة بين الاستحسان والقياس باعتبار الاستحسان متكوّناً من قياسين : أحدهما جلي ضعيف الأثر يسمى قياساً ، والآخر خفي قوي الأثر فيسمى استحساناً ، أي قياساً مستحسناً ، فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والوضوح . ثمّ يعتبر الهدف من تشريع الاستحسان هو التيسير وترك العسر لليسر ، وهو أصل في الدين ، قال تعالى : « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » « 5 » وقال صلى الله عليه وآله : « خير دينكم اليسر » « 6 » . . . « 7 » . كما يرى علاء الدين البخاري الاستحسان أحد القياسين ، ويسمَّى استحساناً لا قياساً للإشارة إلى أنَّه الوجه الأولى في العمل به ، وأنّ العمل بالآخر جائز ، كما جاز العمل بالطرد وإن كان الأثر أولى منه . . . « 8 » . وهو بذلك يشير إلى أنّ الاستحسان نوع قياس مرجَّح على القياس الأصل أو العام لدليلٍ ما ، وهو تعبير آخر عن التخصيص أو التقييد أو شيء من قبيل هذه المرجّحات ، وبذلك تنكشَّف العلاقة بين القياس والاستحسان . ثالثاً : الأقسام باعتبار العلاقة بين القياس والاستحسان على بعض معانيه ، والتي هي علاقة تعارض بين قياسين أو استثناء ، أو علاقة تخصيص أو تقييد ، ينقسم الاستحسان إلى الأقسام التالية التي هي في الحقيقة عبارة عن مناشئ الاستحسان ، من نصٍّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو مصلحة « 9 » .

--> ( 1 ) . وهي التعاريف التي اعتبرته قياساً خفياً ، أو عدولًا عن دليل لآخر ، أوتخصيصاً لدليل بدليل غيره . ( 2 ) . أصول الفقه ( أبو زهرة ) : 248 . ( 3 ) . المبسوط ( السرخسي ) 10 : 145 . ( 4 ) . أصول الفقه ( أبو زهرة ) : 247 . ( 5 ) . البقرة : 185 . ( 6 ) . رسائل الشريف المرتضى 2 : 246 ، وفي بعض المصادر ورد بلفظ : « خير دينكم أيسره » . انظر : مجمع الزوائد 1 : 60 ، 61 . ( 7 ) . المبسوط ( السرخسي ) 10 : 145 . ( 8 ) . كشف الأسرار 4 : 7 - 10 . ( 9 ) . انظر : اللمع : 244 - 245 ، أصول السرخسي 2 : 202 ، كشف الأسرار ( البخاري ) 4 : 10 ، المسوّدة : 405 ، أصول الفقه ( ابن مفلح ) 4 : 1465 .